أحمد بن محمد مسكويه الرازي
198
تجارب الأمم
أراد أن يقف أمسك عن ضربها فيقف الناس من كلّ ناحية في جبل أو واد . وكان يسير هذه الستة الأميال التي بين معسكره وهو روذ الروذ وبين البذّ ما بين طلوع الفجر إلى الضحى الأكبر ، فإذا أراد أن يصعد إلى الموضع الذي كانت الحرب عليها في العام الماضي خلَّف بخارا خذاه [ 1 ] على رأس العقبة مع ألف وستمائة رجل يحفظون الطريق ، لا يخرج أحد من الخرّمية ، فيأخذ عليهم الطريق . وكان بابك إذا أحسّ بعساكر الأفشين أنّها قد تحرّكت من الخندق تريده فرّق أصحابه كمنا ، ولم يبق معه إلَّا نفير يسير ، ولم تكن تعرف المواضع التي يكمنون فيها . وكان الأفشين إذا صعد إلى ذلك الموضع أشرف على قصر بابك وجلس على كرسىّ ، وفرّق الرجّالة في طلب الكمناء ووقف الفرسان على ظهور دوابّهم إلى بعد الظهر ، والخرّمية بين يدي بابك يشربون الشراب ويزمرون بالسّرنايات ويضربون بالطبول ، حتّى [ 224 ] إذا صلَّى الأفشين انحدر إلى خندقه بروذ الروذ . ونفخ أصحاب بابك في بوقاتهم وضربوا بصنوجهم استهزاء ولا يبرح بخاراخذاه حتّى يجوزه الناس جميعا ، ثمّ ينصرف في آثارهم حتّى إذا كان في بعض الأيّام ضجرت الخرّمية من التفتيش وانصرف الأفشين كعادته وانصرفت الكراديس . فلمّا انتهى إلى جعفر الخيّاط نوبة العبور فتح الخرّمية خندقهم وخرج منهم عدّة فحملوا على من بقي من أصحاب جعفر الخيّاط ، وارتفعت الضجّة في العسكر ورجع جعفر مع كردوس من أصحابه بنفسه وحمل على أولئك الفرسان حتّى ردّهم إلى باب البذّ . ثمّ وقعت الضجّة في العسكر فرجع الأفشين وجعفر من ذلك الجانب يقاتل في أصحابه وقد جرح
--> [ 1 ] . انظر الطبري ( 11 : 1203 ) .